محمد بن جرير الطبري

51

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قوله تعالى : فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً . . . يَصِدُّونَ اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الكوفة غير عاصم " فجعلناهم سلفا " بضم السين واللام ، توجيها ذلك منهم إلى جمع سليف من الناس ، وهو المتقدم أمام القوم . وحكى الفراء أنه سمع القاسم بن معن يذكر أنه سمع العرب تقول : مضى سليف من الناس . وقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وعاصم : فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً بفتح السين واللام . وإذا قرئ كذلك احتمل أن يكون مرادا به الجماعة والواحد والذكر والأنثى ، لأنه يقال للقوم : أنتم لنا سلف ، وقد يجمع فيقال : هم أسلاف ؛ ومنه الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يذهب الصالحون أسلافا " . وكان حميد الأعرج يقرأ ذلك : " فجعلناه سلفا " بضم السين وفتح اللام ، توجيها منه ذلك إلى جمع سلفة من الناس ، مثل أمة منهم وقطعة . وأولى القراءات في ذلك بالصواب قراءة من قرأه بفتح السين واللام ، لأنها اللغة الجوداء ، والكلام المعروف عند العرب ، وأحق اللغات أن يقرأ بها كتاب الله من لغات العرب أفصحها وأشهرها فيهم . فتأويل الكلام إذن . فجعلنا هؤلاء الذين أغرقناهم من قوم فرعون في البحر مقدمة يتقدمون إلى النار ، كفار قومك يا محمد من قريش ، وكفار قومك لهم بالأثر . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ قال : قوم فرعون كفارهم سلفا لكفار أمة محمد صلى الله عليه وسلم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً في النار . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر : فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً قال : سلفا إلى النار . وقوله : وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ يقول : وعبرة وعظة يتعظ بهم من بعدهم من الأمم ، فينتهوا عن الكفر بالله . وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، مجاهد وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ قال : عبرة لمن بعدهم . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا أبو ثور ، عن معمر ، عن قتادة وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ أي عظة للآخرين . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ أي عظة لمن بعدهم . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا قال : عبرة . وقوله : وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا يقول تعالى ذكره : ولما شبه الله عيسى في إحداثه وإنشائه إياه من غير فحل بآدم ، فمثله به بأنه خلقه من تراب من غير فحل ، إذا قومك يا محمد من ذلك يضجون ويقولون : ما يريد محمد منا إلا أن نتخذه إلها نعبده ، كما عبدت النصارى المسيح . واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم بنحو الذي قلنا فيه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال ثنا أبو عاصم ، قال ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله عز وجل : إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ قال : يضجون ؛ قال : قالت قريش : إنما يريد محمد أن نعبده كما عبد قوم عيسى عيسى . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : لما ذكر عيسى ابن مريم جزعت قريش من ذلك ، وقالوا : يا محمد ما ذكرت عيسى ابن مريم ، وقالوا : ما يريد محمد إلا أن نصنع به كما صنعت النصارى بعيسى ابن مريم ، فقال الله عز وجل : ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا حدثنا بشر ، قال ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : لما ذكر عيسى في القرآن قال مشركو قريش : يا محمد ما أردت إلى ذكر عيسى ؟ قال : وقالوا : إنما يريد أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى . وقال آخرون : بل عنى بذلك قول الله عز وجل إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ